من إِعداد : أ . شيتور فيروز - صحيفة إنسان
الحبّ ، تلك الكلمة التي تحملُ من المعنى العميق للوجود الإنسانيّ إلى ماشاء الله ، ذاكَ الزَّخم من المعاني الجميلة التي يغدو بها القلب جنَّة ، ذاك الرَّابط الرّوحاني الذي يربط بين قلبين تحابَّا فيه و جسَّدا أعظم صور الودّ و الألفة ، ذاكَ السَّكن الذي نأوي إليهِ كلَّ حين على إختلافِ صوره ؛ لم أرَ للإنسانِ سكنًا أعظمَ من حبٍّ صادقٍ للحياةِ و للوجودِ الإنسانيّ في جُلِّ صوره ، و الذي يتجسَّدُ في إختياراتهِ بالحياة ، للأهدافِ ، الرُّؤى و الأشخاص ؛ الحبّ رحمةٌ بالقلب أنزلها الله على قلوب عباده ، فجمعت جلَّ أوصافه جلَّ و على ، فأُشتقَّت الرَّحمة بالحبّ من الرَّحيم ، و الودّ من الودود ، و اللُّطف من اللَّطيف ، و الجمال من الجميل ، و الإبداع من البديع ، فيجمعُ شملَ الصِّفات الرُّوحانيَّة الجميلة "الحبّ" معنًى و مقصدا ، و الحبّ الإلهيّ روحيّ في مقصده ، متفرِّدٌ في ذاتهِ ، عظيمٌ في تدفُّقهِ و أبديَّته ، يبلغُ عنانَ السَّماءِ طهارةً و نقاءً بالقلب فيحييه ، و يوقظه من غفلته كلّ مرّة ، و يسقيهِ أجودَ المشاعرِ التي تنتشلُ القلب من زحمةِ الحياة و روتينها المتسارع إلى رحبِ أمانهِ و طمأنينتهِ اللَّامتناهية ، و الحبّ الإِنسانيّ مشتقّ في روعتهِ من الحبّ الإلهيّ فنجدُ فيهِ من صفاته ماشاءالله أن يكون ، فيسبغُ على القلبِ أنوار الله فيحيا حياةً طيّبة بقلبٍ سليم ؛ فيرضى الله عنه و يرضيه .
أحبّك ، تلك الكلمة التي ألَّفت القلوب و جادت بالوصالِ بين النَّاس و الوجود ، فالحبّ بكلِّ صنوفه سرٌّ من أسرارِ اللهِ بين خلقه و دونهُ الحياةُ جفاءً و ضآلة ، الحبُّ توسُّعٌ و إنشراحٌ في الصَّدر و سعته ، و حُسنٌ بالقلبِ يستوطنهُ و يُملي عليه أن يدين بدينِ الجمال في تعاليمه ؛ يعمدُ الإنسانُ إلى إهتماماتٍ يختارها ، و تستهويهِ دون غيرها ، و يرى نفسهُ تتجسَّد ميوله فيها ، فيلفظ بينهُ و قلبه ، أحبّك ، دون غيرك ، فتتدفَّق أنوار الإبداعِ بين جنباتهِ ، و تضيءُ دواخلهُ بكنزٍ قد نقّب عنه طويلا داخله ، و ها قد وجده أخيرا ، فيتميّز في موهبتهِ بقدر حبِّه لها ، و إخلاصهِ لودّها ، و تفانيهِ في رعايتها و الإهتمامِ بتفاصيلها ! ، و إِن أعربَ عن حبّهِ و أهملَها ، لم يرَ فيها روعتها الكامنة فيها من خلالهِ ، و لا يفتأُ بعدها ينقّب عن كنوزٍ أخرى فيه ، ليقينهِ الجازم بتميّزِ فرديَّتهِ و ثقتهِ المُطلقة في قدسيَّة ما صنعَ خالقهُ فيه من مادّةٍ و روح ؛ و يعمدُ بعد سبرهِ أَغوارَ نفسهِ و الوجود من حوله و تدبّره لعظمةِ الكون في مُجمله و سعته ، و قدرة الخالقِ في صنع الجمالِ في أبهى صوره ، للتَّأمل ، العبادةُ المنسيَّة ، بها نعرفُ الخالق و نحيا تعاليمهُ الرّوحانيّة ، أن يرفع العبد رأسه للسَّماء لخالقهِ بعد أن غاصت روحه في معاني الجمالِ
" أحبّك " ، فيسبغُ الله على قلبهِ أنواره الإلهيّة ، و يغدو القلب ربَّانيًّا لا شيءَ يستهويهِ سوى أن يرضى عنه خالقهُ في كلِّ ما تهواه روحه و تميل إليه .
أحبّك بشرط ، أسوءُ ما يمكنُ للإنسان سماعه ، غير أنَّه يعلم يقينًا أنَّ الحبّ اللَّامشروط نادرُ الوجود لكن لا يعدم أن يكون في كلِّ زمانٍ و مكان ؛ أن تحبَّ نفسك يعني أن تحتويها بكل متناقضاتها ، الإحتواءُ ثقافة ، و أن تحبَّ نفسك في مواضع النَّجاحِ و التَّفوق ، و تلبيتك لرغباتٍ مجتمعيَّة ،فكريَّة و نمطيَّة معيّنة مُطالبٌ بها كلَّ مرَّة ، فهذا جميلٌ و متوقّع ، و إنَّما الحبّ الحقيقيّ لنفسك يظهرُ في لحظاتِ ضعفك ، حينما تكون في أسوءِ حالاتك ، حينما تغزوك الأفكار السلبيَّة و تحاول حلحلةَ كيانك ، فمقاومتك لها لا تزيدك إلا ألمًا ، كالكرة حين تضربها على الحائطِ بكلّ قوّتك مقاومًا ترجع لك بنفس القوّة و التَّردّد لتسقطك أرضًا ، فالتَّقبّل التّقبّل و السّماح لمشاعرك بالتّعبير عن ذاتها من خلالك ، لا تكبتها فتصبح سمًّا زعافا ينخر جسدك و روحك ، إرض عن ذاتك في كلّ حالاتها و صورها ، و إسع للتَّفريغ النَّفسيّ عنها بما تهوى من إهتماماتٍ و هواياتٍ تنفِّس عنك و أنت في طاقتك المنخفضة ، فتكون إحتواءًا لنفسك منك ، و حضنًا حاني لروحك المتعبة ، و شحنًا لقلبك بمعاني الجمالِ التي إستنفذتها تكلُّفات الواقع و روتينه المتسارع ؛ السَّماح لنفسك بالتَّعبير عن ذاتها هو حبٌّ عميقٌ لها ؛ و كأنّي بك لها
" أحبّك دون شرط " ، أي أقبلك على علَّتك ، و لا نفسَ تخلو من العلل ، و معاملتك لها حين ضعفك دليل لمدى تقبّلك و إنسجامك معها بكل حالاتها ، فتحنو عليها ، و تصغي لها بعمقٍ ، و تتفهَّم إحتياجاتها ، و تواسيها حين تذمّرها ، فالنَّفس طاقةُ إستيعاب و صدقَ عزّ و جلّ حين قال " لا يكلِّفُ الله نفسًا إلا وسعها " ، فقد علم خالقُها من العدم هنا بقوله حقّ اليقينِ أن طاقتها محدودة و إن إجتهدت أيَّما إجتهاد لبلوغ الكمال الإنسانيّ ، فإرأف بها و إرحمها و إسقها مشاعرَ الودّ و العطف كأجودِ ما يكون ، لتنهض بعدها في مسيرةِ الحياة بكل أملٍ جدَّدته فيها و تفاؤلٍ بالله و يقينٍ به أنّ القادم بحول اللهِ أجمل و أرقى .
فقهُ الحبّ ، هو فقهُ الحياة السَّعيدة ، هو فقهُ التَّمتع بهذا الكمّ الهائل من الجمال الذي يحويهِ الكون بما فيه ، من طبيعةٍ خلابة تأسر النّفس تيهًا بمعاني الجمال إلى قلوبٍ إستوطنت بها أسرار الله في خلقه ، الجمالُ ليس له شروط ، بل ما يستهويهِ القلب و العقل ، و يسكنُ دواخلَ الرّوح بروعتهِ اللّامتناهية ، و هو نسبيٌّ في مُجملهِ ، أنا أحبّ الحياة بغضّ النَّظر عن بعض أيّامنا السيِّئة فيها ، فأنا أقبلها على علَّاتها ، و حبّ الوالدين و مودّة الأسرة و إحتوائها أعظمُ دليلٍ على الحبّ الغير المشروط ، هذا الأخير الذي لا تستطيعهُ إلا النُّفوس العظيمة التي بلغت من الحبّ بالقلب مبلغًا عظيما ، و الوعيُ إذ ذاك بالقيم الإنسانيّة الخلقيّة، الدينيّة و المجتمعيّة و ما تستهويهِ النَّفس على فرديّتها ، يسبغُ على محبّتنا أنهارًا من الحكمة و السّعادة اللامتناهية ، فترتكز على أساسٍ له من المتانةِ ما يواجه به تكلّفات الحياة و متطلّباتها المتزايدة ، فالسّعي أعظمُ قيمِ الإنسانيّة على ضعفها ،" و أن ليس للإنسانِ إلَّا ما سعى و أنَّ سعيه سوف يُرى " ، أن ترفعَ إستحقاقك بالحياة و ما بعدها ، يعني أنَّك عرفتَ لذاتك قدرها ، ما لها و ما عليها ، كما يعلّمنا ﷺ كيف تكون هممنا عالية ، لا ترضى بالدّونِ إطلاقا حيث قال " إنّ في الجنّة مائة درجة ، ما بين كل درجتين كما بين السَّماء والأرض ، والفردوس أعلاها درجةً ، ومنها تُفجّر أنهار الجنّة الأربعة ، ومن فوقها يكون العرش ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس" ، فالله بيده كلّ شيء و هو على كلّ شيءٍ قدير ، إستحقاقك العالي هو يقين عظيم بقدرةِ الله فيك ، و إيمانٌ عميق بنفسك التي أودعها الله بين جنباتك ، و سيبارك سعيك للرّقي بها و محبّتها دون شروط على علَّاتها ، هي نفسك الأقرب إليك من كلّ شيء ، وصيّة الله و رسوله ، أن تحبّها دون شروط و تستأمنها عليك ، فالضّعف جبلّةٌ فيك، قال الرّسول ﷺ: " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهبَ الله بكم ولجاءَ بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " ، فإغفر لنفسكَ دون شروط ليغفر اللهُ لك ، و سامح نفسك كي يسامحك الله ، و أحبّ نفسك كي يحبّك ، و غيّر ما بنفسك للأحسن كي يغيّر ما بك " إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّرو ما بأنفسهم " ، و إحتوِ نفسك على أخطائها و زلّاتها كي يحتويك الله بلطفه و رعايته على مابدر منك ، و كلّ ما أردتَ أن يعاملك الله به و الوجود من حولك ، عامل نفسك به ، فالكونُ من حولك مرآتك الصَّادقة التي تشفُّ عمَّا بداخلك ، فهو إنعكاسك و ما أنت عليه لا ما تريده ! ، جلدك لذاتك و تأنيبك المتواصل لها هو إستحقاقٌ متدنّي لها ، " مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التُّهَمَةِ فَلاَ يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ " علي بن أبي طالب ، فتجلب بذلك أحداثًا و مواقفًا على ذاتِ التردّد ، الخارجُ إنعكاسٌ صادقٌ للدّاخل ، الكونُ يستبطنُ ما بداخلك فيضعه أمامك يقينًا صادقًا ليقينِ إعتقادكَ به في نفسك ، فظنّك الجميل بالله و بالنّاس من حولك، تعود تبعاته عليك و على حياتك قال عز وجل " أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ماشاء " و قال الرّسول ﷺ " إلتمس لأخيك و لو سبعين عذرا " ، توقُّع الخير لا يأتي إلّا بخير فكلّ إناء بما فيه ينضح ، و يسكبُ على القلوب ماءًا سائغا فيرويها لطيبته و صفاءه ، دون شروطٍ مسبقة تضيّق على المعاني الجميلة تدفّقها و اِنسيابها .
مبدأ الحياة الطيّبة أن تكون محسنا و إن لم تلق إحسانا ، لا تضع قيدًا لحسناتك لتوجّهها لجهةٍ معيّنة ، فالله وحده يحتسب الأجر ، فيجازيك بنيّتك الطّيّبة في العطاء و إن لم يستحقّ من دونَك هذا الإحسان ، " أحسن إلى النَّاس تستعبد قلوبهمُ فلطالما إستعبد الإنسانَ إحسانُ" ؛ ذُكر في الأحاديث النَّبويّة أنّ الحسن والحسين - رضي الله عنهما و عبدالله بن جعفر خرجا حجّاجاً ، وفي الطريق تذكّرا أنهم نسوا زادهم ، فجاعوا وعطشوا ، فمرّوا بعجوز في خباءٍ لها فقال لها أحدهم : هل من شراب ؟ قالت: نعم ، فأناخوا إليها وليس لها إلا شاة ، فقالت : اِحلبوها واشربوا لبنها ففعلوا ، ثم قالوا لها: هل من طعام ؟ قالت: لا إلّا هاته الشّاة فليذبحها أحدكم حتى أهيّئ لكم منها ما تأكلون ، فقام إليها أحدهم فذبحها وسلخها ، ثم هيّأت لهم طعاما فأكلوا وأقاموا حتى شبعوا ، فلما اِرتحلوا قالوا لها : نحن نفرٌ من قريش ثمّ ارتحلوا ، وأقبل زوجها فأخبرته بخبر القوم والشّاة فغضب ، وقال : ويحك تذبحين شاتي لقومٍ لا تعرفينهم ثم تقولين نفرٌ من قريش ! ، ثم بعد مدّة سافرت الحاجّة وزوجها إلى المدينة ، وجعلا ينقلان البعر ويبيعانه ، ويعيشان بثمنه ، فمرّت العجوز في بعض سكك المدينة فإذا الحسن بن علي رضي الله عنه على باب داره جالس ، فعرف العجوز وهي له منكرة ، فبعث إليها غلامه ، فدعا بها ، فقال لها: يا أمةَ الله أتعرفينني ؟ قالت: لا ، قال : أنا ضيفك يوم كذا وفعلتِ معنا كذا ، قالت: بأبي أنت وأمي، ثم أمر فاشترى لها من شياهِ الصّدقة ألف شاة ، وأمر لها معها بألف دينار، وبعث بها مع غلامه إلى الحسين ، رضي الله عنه، فقال لها الحسين: بكم وصلك أخي؟ قالت: بألف شاة وألف دينار، فأمر لها الحسين أيضا بمثل ذلك، ثم بعث بها الحسين مع غلامه إلى عبدالله بن جعفر، فقال لها: بكم وصلك الحسن والحسين؟ قالت: بألفي شاة وألفي دينار، وقال لها: لو بدأت بي لأتعبتهما في العطاء ، فأمر لها عبدالله بألفي شاة وألفي دينارة، فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف دينار وأربعة آلاف شاة ، و قد لخّصت لنا القصّةُ الملهمة المفعمة بمعنى العطاء دون شروط و توقّع للمقابل ، و محبّةِ الوجود بما فيه دون قيود و تكلّف ، سوى إنسيابٍ لمعاني الجمال في شؤونِ الحياة دقّها و جلّها ، و لا يتأتّى ذلك إلا لقلبٍ عرف حبّ الله فذاق و إعترف .
إنّ المقوّمات العقليّة النّفسيّة ، الدّينيّة و المجتمعيّة ما يجعل الحبّ صحيّا لحياةٍ أطولَ أمدًا من الإنبهار الأوّل ، و هل يحجب إنبهارنا بالحياة و الموجودات من حولنا كلّ الإختلافات الكبيرة و العميقة بيننا و بين ما نحبّ ، فبينَ أن نرى الجمالَ في ذاتِ الأشياءِ أو في معاييرنا الضيّقة المحدودة عنه بون شاسع ، و هل حبّ الشّيءِ يحدثُ أن يكون لذاته ؟ ، أم لتلازم شرطِ محبّتنا فيه ؟ و هل تحتاج المحبّة الغير المشروطة شيئًا من الإنضباط العقليّ ؟ ؛ يُذكر على لسان الباحثين أن الحياة تُبنى على القواعد لا الإستثناءات ، و أنّ الأعراف البشريّة لم تبنى من تلقاء نفسها وإنّما هي في كثير من الأحيان تعبيرٌ عمّا تعارف عليه البشر أنّه يُصلح حياتهم ، فيما لا يتعارض مع الدّين ، و على حدّ وصفهم أنّ الهيام عن عيوب الآخر تعارضٌ مع التّوافق الثّقافي الفكريّ النّفسي و الدّيني ؛ أساسُ الحياة الطيّبة ؛ و يخلص من كل ذاك أنّ العقل أساس ديمومة العاطفة ، في إستمراريّتها من عدمها ، و تذكر الكاتبة والمستشارة النّفسية
" نادية بو هنّاد " أنّ الحبّ الغير المشروط ، عند تعريفه ، هو "الشعور بالحبّ تجاه الآخر من دون تدخّل الإرادة لتغييره " أي على علّاته ، و هذا ما نلمسه بشكلهِ الكامل في حبّ المرء لذاته ، وكذا عاطفة الأم مع أبناءها و الأسرة ، نادر الوجود خارج الأطر المتعارف عليها نفسيّا و مجتمعيّا ، فهو حبّ يغفل التّقييم على أساس السّلوك و التّوقّعات ؛ و هذا ما يفوق طاقتنا البشريّة الضّعيفة خارج علاقاتنا التي لا إختيار لنا فيها و إن إجتهدنا ، إلّا ما ندر من الأشخاص و درجة جهادهم مع أنفسهم التي تستدعي الأجمل من المواقفِ الأحداث و الأشخاص كلّ مرّة ، فالنّفس طاقةٌ ووسع أودعه الله فيها على فرديّتها دون غيرها ؛ و يبقى التّسامح مع إختلافاتنا و الرّضى بما لدينا ، و السّعي الدّؤوب لسبرِ أغوارِ الجمال في نفوسنا ، و تحسينِ جودة حياتنا ما ألهمهُ الله فينا من إجتهادٍ و ذكاء يوصلنا إلى أحسن ما يمكننا بلوغه نفسيّا روحيّا ثقافيّا و ماديّا ، فتغدو جودة حياتنا بقدر سعينا و أخذنا بالأسباب كلّ مرّة ، " فتتوكّل على اللهِ كأنّها لا شيء و تأخذ بالأسبابِ كأنَّها كُلّ شيء " و يبقى تسارع الأحداث و روتين الحياة يفرض مبدأ التّغافل " تسعةُ اعشار حسن الخلق في التغافل " لتغدو إقامتنا بالحياة سلسة بمرونة تفكيرنا و أخلاقنا السّمحة .
أن ترى نفسك جديرا بالحبّ الغير المشروط لنفسك ، على أخطائك و عثراتك، سيجعلك ذلك تمنحه لغيرك بكلّ ودّ ، و تمتنّ لسماحة قلبك و ووسع مداركك ، و تلك المساحة الواسعة من التّصالح مع ذاتك و الوجود من حولك ، التّقبل هو تلك الطّاقة السّحرية للتّعاطي مع الواقع بكلّ مرونة و إنسيابيّة ، من شأنها أن تجعل الحياة صديقك الأمثل على الإطلاق ، السّعي إلى المثاليّة دائما يُثقل الكاهل و يجعل الحياة إذ ذاك عبئا ، فالكمال للّه وحده ، و أجمل ما في إنسانيّتنا ضعفنا الذي يُذكّرنا كلّ مرّة بحاجتنا لله وحده لبناء أنفسنا لبنة لبنة ، و التّصالح معها بما يرضيهِ عنّا ، و يجعلَ السّعادة إذ ذاك تستوطن مداخل قلوبنا ، و بغضّ النّظر عن رغبتنا في جنّة الله أو خوفنا من ناره ، فإنَّا نتوق إلى رؤية الله الذين أحبّنا كلّ الحبّ الغير المشروط و غمرنا برحمته
و كرمه على أخطائنا ، من يُرسل لنا هداياه في أوقات ضعفنا ، فتأتينا كلمات تواسينا في كتاب ، أو نسمع حديثا يحضن قلوبنا المتعبة ، أو رُؤيا بمنام تُنبِّئنا بعوالمنا الخفيّة ، أو نصادف شخصًا على هيئة رسالة لطيفة من الله إلينا ، و نراها لمحدوديّة فكرنا صدفة ، لكن الكون لم يُخلق صدفة ، و أحداثه و مواقفه المتواترة تباعا ما هي إلَّا نسقٌ إلهيّ غايةٌ في الرّقّة ، الحكمة و الجمال اللَّامتناهي ، و كانَ هذا الحديث القدسيّ البلسمَ الشّافي ، إذ يقول لنا الله فيه على لسانِ نبيّه الكريم " يا ابن آدم إنّك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ، يا ابن آدم إنّك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " ؛ فالله وحدهُ هو تجلّي الحبّ في أعظمِ صوره ، و أكملها على الإطلاق !