إنه الشوق الذي لا يطرق الأبواب و لا يعرف
معنى الاستئذان ، إنه الشوق الذي توارثناه فكبر في قلوبنا دون أن نشعر ، حتى طغى
في سطوته و استبد حيث أقام ، هو الذي يأبى أن يختبئ ، و الذي لا تخبو جذوته ، بل
يعلق مع الأنفاس ثابتا ، إنه الشوق الذي يأتي كطيب عود لا ينطفئ ، نلهث خلفه ظمأى
فلا نرتوي ..
إنه الحب الذي ما إن ذكرناه ؛ أذعنت له
الجوارح و خرت في محرابه متعبدة ، ليس عليها في الهوى سلطان ، كما الشمس ترسل
أشعتها فتخترق الحياة بأكملها دون أن تكلف نفسها أن تمد أناملها فتستأذن في ذلك ،
إنه الحب الذي يقاسمنا أقدارنا المقدسة ، يباركنا حين يغرس أغصانه في أفئدتنا
فتونع بحبه ، فندعو ألا يفارقنا في طفولتنا و كهولتنا و شيخوختنا و حين نموت ..
إنه الخير الذي يضرب بجذوره في النفوس فلا
يترك فيها إلا الراحة و الصفاء ، المترفع عن كل شرور الأرض ، و عن كل دناءة الخلق
و طغيانه ، إنه الخير الذي يثمر و يتكفل بالعطاء دون أن يفرق فيه ، الذي يضم
الجميع في ربوعه دون أن يضيق بهم ، الذي يمضي بسيرته التي تعظم فلا تنطفئ ..
إنه الكرم الذي يهب بسخاء فيغدق ، لا يضره
ألم و ظلم ، لا يمنعه لون أو عرق ، لا يأخذه في ذلك نسب أو فضل ، إنه القلب الذي يحب
فلا يكره ، ينفق و لا يدخر ، يسعد الآخرين دون أن يشقيهم ..
إنه اليتيم الذي أحب أمة كاملة ، احتواها بين
أقداره ، كان والدا و معلما و قدوة ، ما أبكاه حاله ، و إنما أبكاه حال أمة يعشقها
، ينير الحياة فتشرق حين ذكره و حين الصلاة عليه و السلام ، إنه الذي عفا و أصلح ،
الذي علم و أغدق ، الذي بسل في الفعل و فصح في القول ، الذي ائتمن فكان الصادق
الأمين ، إنه المبعوث فينا ليتمم مكارم الأخلاق ..
إنه محمد بن عبد الله ، أحب الله حبا لا
يغلبه فيه أحد ، فأحبه الله و كان خير البشر ، أحب الله فكان في الحق كالصخر لا
يلين ، لكنه كان يسيرا بشيرا رقيق القلب يعظم في الخلق مثالا ،
نبيا تختم فيه الرسالات و الأديان فختم الله على قلوبنا بحبه و الشوق إليه حتى
نلقاه ..
إنه حبيب الله .. إنه حبيبنا نبي الله .. إنه محمد رسول الله ..
