بقلم الكاتبة المصرية أ. أمل عبد الله - صحيفة إنسان
"إن المياه ستكون السبب الوحيد الذي قد يدفع مصر إلى خوض الحرب من جديد". هذا ما قاله الرئيس المصري السابق والحاصل على جائزة نوبل للسلام "أنور السادات".
الماء شيء مقدّس؛ فهي جزء من الشعائر في الديانات الثلاث، كالتعميد في المسيحية، والوضوء في الإسلام... "وَجَعَلْنَا ِمَن الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيّ".
والصراع على الماء قديم، ولكن حرب المياه بدأت فعلًا خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، عندما وصل خبراء إسرائيليون إلى إثيوبيا لإجراء أبحاث تهدف إلى إقامة مشروعات للري على النيل استنفدت سبعة مليارات من الأمتار المكعبة، بالرغم من انتفاء حاجة إثيوبيا إلى الماء؛ فهي غنية بالموارد المائية والأنهار، ولكن إسرائيل، في سبيل تحقيق أهدافها، ظلّت تُحرّك إثيوبيا وسائر دول حوض النيل ضد دول المصبّ، وهما مصر والسودان.
وقد رأينا ذلك جليًّا في السبعينيات، عندما قدّمت تنزانيا مذكرة إلى باقي دول حوض النيل، تُطالب فيها بتحديد حصّتها من مياه النيل، والعجيب أن تنزانيا ليست بحاجة إلى المياه، بل هي تُعاني من مشكلة تصريف الفائض من الماء، مما دفع وزير الخارجية المصري آنذاك للتصريح بأن تنزانيا مدفوعة ومحرّضة من إسرائيل.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن الصراع قد يكون بين دولتين أو أكثر لأسباب معيّنة، وإذا لم توجد له أسباب فإن الدول ذات المصالح الخاصة تسعى إلى تحريكه بأي أسلوب وبأي ثمن حتى تُحقق مطامعها وأهدافها.. فلن ننسى مساعدة إسرائيل لإثيوبيا في بناء سدود على نهر النيل مقابل سماح إثيوبيا بهجرة يهود الفلاشا.
وكذلك أيضًا الدور الذي لعبته إسرائيل في تفكيك السودان؛ كون السودان يمثّل العمق الاستراتيجي لمصر، ففي 4 سبتمبر عام 2002م ألقى "ديختر"، وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، محاضرة وضّح فيها المبادئ التي تنتهجها إسرائيل في السودان، وصرّح بأن "السودان العمق الاستراتيجي لمصر، وكان لا بدّ من العمل على إضعافها وعدم تمكينها من أن تُصبح دولة موحّدة قوية؛ لأنه يُعد من ضرورات الأمن القومي الإسرائيلي".
هنا يُمكن القول أنه، ولعقود طويلة، ظلّت ورقة المياه ونهر النيل هي اليد التي تُوجع مصر، والتي يتم ليّها وإيلامها من قِبل البعض لتليين موقف مصر في بعض القضايا السياسية أو غيرها.. وآخرها ما يحدث الآن بشأن سد النهضة الإثيوبي.
لقد ظلّ هذا النهر، وعلى مرّ السنين، يُسيطر على حياة واقتصاد كل الدول الواقعة على حوضه، وخاصة مصر ثم السودان، فمصر هي الدولة الأولى المستفيدة من هذا النهر، لدرجة أن أصبحت قوة مصر تتناسب طرديًّا مع كمية المياه المتاحة لها.
في الختام، أودّ أن أُشير إلى ضرورة الانتباه إلى ما يدور في الظاهر والباطن، وألّا يغيب عن أذهاننا وجود تدخلات أجنبية تسعى بالأساس إلى التحكم في قواعد المياه، والسيطرة على توزيعها على كل من مصر والسودان، ويجب الحيلولة دون ذلك.
ولا بدّ أيضًا أن تتكاتف الدول العربية وتتعاون فيما بينها لبناء استراتيجية عربية للمياه، تُخطط وترسم مستقبل المياه في المنطقة، وتكشف الخطط التي ترسمها إسرائيل لتحقيق حلمها وهدفها المرسوم، وهو خلق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وذلك بالضبط هو ما يجعلها تتدخل في ملفات المياه تدخّلًا سافرًا.
وفي النهاية، صدق المولى عز وجلّ حينما قال: "وإن من شيءٍ إلّا عندنا خزائنه"، فأبواب المستقبل بيده سبحانه، وهو أيضًا الذي أمرنا: "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة"... الأمن المائي هو الرافد الرئيسي للأمن الغذائي والقوة العسكرية والاقتصادية والرفاهية الاجتماعية، وعلى العرب أن يُولّوه أهمية قصوى.
