يزداد إيقاع الأحداث
، تتزايد و تتسارع بشكل ملحوظ ، الجميع يتألم بشكل غريب ، يحملون بين أيديهم حقائب
مكتظة ، يحتضنونها بشكل مهووس ، كلهم يملكون تلك الحقائب ، يتشبثون بها بشكل مبالغ
فيه ..
كانوا يركضون بفزع في كل صوب ، عيونهم متورمة و وقع دموعهم يحتل رقعة
الصوت في ذلك المكان ، و لكثرة البكائين فقد اكتسب المكان رائحة تشبه رائحة البحر
مالحة رطبة و مزبدة ، و لا تدري سببا كافيا لذلك ، المشهد كان مثيرا للحيرة و
الدهشة معا ، كان ظاهرا أنهم يبحثون عن شيء ما ، كانت أرواحهم المتعبة تطارده فكانت
أجسادهم تطيعهم دون أدنى تردد ..
قرأت في اليوم التالي ، عن قوم كهؤلاء الذين رأيتهم ، يحملون ذات
المواصفات البائسة ، قيل أنهم يستمرون بما يفعلونه حتى يجد كل واحد منهم الوسادة
التي تناسبه ، الوسادة القادرة على امتصاص سيول الدمع المتتالية دون أن تغرق ، أن
تتحمل ثقل الوجع الذي يحملونه دون أن تتذمر أو تبتئس ، كلهم يبحثون و شحة في
الوسائد تطاردهم برعب شديد ..
أثارتني الحكاية و أثارت في نفسي خوض نقاش ثرثار مع صديقتي التي
هاتفتها مسرعة لأخبرها بدهشة بالغة ، حدثتها عنهم ، فلم تتوفه بشيء حتى ظننت أن
الاتصال قد انقطع ، لكنها ردت أخيرا فقالت لي: "جهزي حقيبتك و سأحضر حقيبتي و
لنلتقي في طرف الكوكب" ..
التقينا في المكان و الوقت المحددين ، فقالت : " هم يبحثون عنا ،
نحن تلك الوسائد التي تتألم فلا تتكلم ، التي لا تبكي أبدا فيبكي الجميع على
أكتافها ، التي تنفض همومها كل ليلة لتلتقي بهموم الآخرين و أحلامهم المعذبة ، لقد
أحسنا صنعا لهم و أسهبنا في ابتلاع وجبات الألم بالنيابة عنهم فأصابتنا التخمة ، و
أسأنا لأنفسنا كثيرا ، هيا فلنذهب ... "
سألتها : "إلى أين؟ "
أمسكت بيدي و نظرت في عيني بجدية لم أعهدها فيها من قبل ، و قالت :
" فلنهرب من هذا الكوكب ! " ..
